مسلسل: يحي بن عمر

كان أبو زكرياء يحيى بن عمر بن يوسف الكناني الأندلسي الأصل الافريقي الموطن، من أبرز علماء المذهب المالكي بإفريقية، وكانت نشأته الأولى بقرطبة، أخذ عن عبد الملك بن حبيب، ثم ارتحل إلى الشرق. وكان من شيوخه بمصر الدمياطي (ت. 226هـ/641م) ، وأخذ كذلك عن عدد من العلماء أصحاب ابن وهب وابن القاسم وأشهب. ورجع إلى إفريقية فاستقرّ بالقيروان بعد أن ملأ وطابه علما، ولعله أراد أن يستكمل ثقافته فسمع بالقيروان من أبي زكرياء يحيى بن سليمان الفارسي المختص في علم الفرائض والحساب واتّصل بسحنون وأخذ عنه. وفي هذه الفترة كان النّزاع على أشدّه بين فقهاء المالكية وبين الأحناف المؤيدين للحكم الأغلبي. واتّخذ النزاع السياسي متنفسا للظهور في الجدل. وقد ألّف يحيى بن عمر كتابا في الرّد على الشافعي، كما شنّ حملة على بعض العلماء الذين كانوا يؤمّون مسجد السبت، للذّكر والعبادة وعقد مجالس السّماع لانشاد الأشعار والقصائد الصوفية. ورغم أنّ بعض أصحاب الإمام سحنون (245هـ/859 - 860م) من هؤلاء، فقد ألف يحيى بن عمر كتابا في الردّ عليهم، غير أنّ ذلك سبّب له مؤاخذات واعتراضات كثيرة من قبل الزّهاد والصّوفية وحتى بعض فقهاء المالكية من المتعاطفين مع أهل مجلس السبت. فانطوى على نفسه. وهكذا ظلّ إلى أن ارتقى ابن عبدون إلى خطة القضاء سنة 275هـ/889م.

وخرج يحيى بن عمر إثر ذلك من القيروان فارّا فمكث مدة بتونس ثم لاذ إلى رباط سوسة إلاّ أنّ تفطّن إبراهيم بن أحمد الأغلبي إلى مظالم هذا القاضي جعله يعزله خاصّة أنّ عدد ضحاياه من الأبرياء والعلماء قد تكاثر. ولمّا استدعى ابن عبدون يحيى بن عمر إلى استقضاء الأمير إبراهيم هذا القاضي الظالم رفض يحيى بن عمر، وأشار على الأمير بعيسى بن مسكين الزاهد والقابع في قريته بالساحل. ثم تنصّل يحيى بن عمر من القضاء ليعود إلى سوسة ويتخذها مستقرّا ومقاما ويعاوده الحنين إلى جامعها فيسرع إلى إلقاء دروسه بهذا الجامع، حيث ذاع صيته وامتلأ مجلسه بطلاب العلم. وفي الحلقات تبلورت اللّبنات الأولى لكتابه "أحكام السّوق" الذي رواه أبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد القصري (ت 321هـ/933م) وهو أحد رواة العلم والمدونين الكبار الذين عرفتهم إفريقية في تلك الفترة. ويشتمل كتاب "أحكام السوق" على مقدمة في ما يجب على الوالي من تفقّد أحوال السّوق والحرص على مراقبة الموازين والمكاييل والكشف عن أحوال النقد المتداول. ثم يتبع المقدمة نقل خلاصة من مكاتبة وجهت إلى يحيى بن عمر لاستفتائه في أمرين:

1 - الحكم الشرعي في اختلاف وحدة الكيل والوزن بين التجار في بلد واحد.

2 - الحكم الشرعي في التّسْعير وقد استبان للناس تضرّر المستهلك بحرية الأسعار.

وبعد إيراد السؤال والجواب تأتي أبواب الكتاب التي تندرج عموما ضمن ما يسمّى "الحسبة".